أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى
566
إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري
ومن نظر إلى سعة كرم اللّه وبره ، ثم نظر إلى عجز نفسه وفقره ، طرح أحمال الهموم عن ظهره ، واكتفى بعلم مولاه ونظره ، كما أشار إلى ذلك في المناجاة الحادية عشرة بقوله : 354 - إلهي كلما أخرسني لؤمي أنطقني كرمك ، وكلما أيأستني أوصافي أطعمتني مننك . قلت : العبد إذا نظر أوصاف نفسه اللئيمة وأفعالها الذميمة ، استحي من اللّه أن يرفع إليه حاجة يطلبها ، وخرس لسانه عن النطق بها ، لأنه يرى من خساسة نفسه ولآمتها مالا تستحق بذلك إلا العقوبة والطرد ، فإذا نظر إلى سعة كرم اللّه وجوده وإحسانه وبره ، انطلق لسانه بالسؤال ، وطمع فيما له من سعة العطاء والنوال ، وقد تقدم قوله : إن أردت أن ينفتح لك باب الرجاء فانظر ما منه إليك ، وإن أردت أن ينفتح لك باب الحزن فانظر ما منك إليه . ولا شك أن من نظر نفسه بعين الإنصاف لم يجدها أهلا لغير العقوبة ، إما من جهة الغفلة والتقصير ، وإما من قلة الوفاء بالشكر والحمد ، ولهذا ورد في بعض الأدعية : اللهم افعل بنا ما أنت له أهل ولا تفعل بنا ما نحن أهله . وقال بعض أهل التشديد من العباد : لا ينبغي للعبد أن يرى نفسه إلا شبه نجس ، إن جلس مع الداعين لم يراهم إلا منعوا الإجابة من سببه ، ولو سجد على الجمر لم ير عمله أهلا للقبول ، ولو كانت نفسه في غاية التزكية لم يرها أهلا لمدح ولا لثناء ، ومتى ما تمسح الناس بثيابه تبركا فإنما يرى نفسه كالبكر المزفوفة لبعلها وهي مفتضة بفجور ؛ كلما طافوا بها وعظموا شأنها زاد حزنها من خوف الفضيحة . قلت : كل من تحقق زواله عن نفسه وبقاءه بربه ، فلا حرج عليه في ثنائه ومدحه ، إذ ليس هو الممدوح ، وإنما الممدوح من فضله عليك ممنوح ، وكل من مد يده للتقبيل ، ولم يرها يد الجليل كان القطع في حقها من القليل : إِنَّ